قام العالمان أليكسي سارابولتسيف وماريا كوميلكوفا من المركز الروسي الصيني للبحوث والتعليم في علم الأمراض الجهازية بجامعة جنوب الأورال الحكومية، بالتعاون مع زملاء من يكاترينبورغ ونوفوسيبيرسك وووهان في الصين، بتلخيص بيانات من أكثر من 40 دراسة أُجريت بين عامي 2008 و2025 حول تخفيف التوتر الاجتماعي لدى الفئران. وقد مكّنهم ذلك من تقييم أهمية «الكيمياء الحيوية للصداقة» في التغلب على المواقف الصعبة لدى الحيوانات.
يُعرف التخفيف الاجتماعي لدى الحيوانات بأنه ظاهرة يُضعف فيها وجود فرد آخر من نفس النوع السلوك الدفاعي والاستثارة الفسيولوجية، مما يُقلل التوتر في نهاية المطاف. هذه الظاهرة معروفة جيدًا لدى متخصصي علم النفس الحيواني؛ إذ تظهر بشكل متكرر في الدراسات التي تتناول التوتر واضطراب ما بعد الصدمة النفسية والتي تتضمن تجارب على القوارض.
على سبيل المثال، عند محاولة تطوير رد فعل الخوف المشروط لدى الفئران، يُمكن لوجود فرد آخر قريب أن يُفسد التجربة، مما يجعل رد الفعل أضعف ويتلاشى بسرعة. في تجارب تحاكي اضطراب ما بعد الصدمة، ساعدت الفئران المتآلفة بعضها بعضًا على تطبيع سلوك التجنب وفقدان المتعة واستعادة الذاكرة بعد حدث صادم.
شملت التجارب فئرانًا بدرجات متفاوتة من التقارب: فئران لم تكن مألوفة لبعضها من قبل، وفئران عاشت معًا، وفئران من نفس العائلة، وأمهات وصغارها. وقد انخفض الخوف بشكل ملحوظ عندما كانت الفئران من نفس الجنس.
تمكن العلماء من إثبات أن 78% من التجارب التي تم تحليلها أظهرت تأثيرًا وقائيًا للبيئة الاجتماعية لدى الفئران. وكشف التحليل الكمي أن مستويات الخوف (استجابة التجمّد) تنخفض في وجود شريك بنسبة تتراوح بين 50 و90% في المتوسط. وعلى المستوى الهرموني، يترافق ذلك مع انخفاض في الكورتيكوستيرون (وهو نظير للكورتيزول البشري) بنسبة تتراوح بين 30 و45%.
هناك سببان فسيولوجيان لهذه الظاهرة. الأول، كما ذُكر سابقًا، يتعلق بهرمونات محور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية، بما في ذلك الكورتيكوستيرون، حيث يشعر الفأر بالأمان.
أما السبب الثاني فيتعلق بالناقلات العصبية - الأوكسيتوسين والسيروتونين والأفيونيات. فإذا تم حجب المستقبلات التي تستجيب لهذه الناقلات، يختفي التأثير الوقائي الاجتماعي فورًا.
كما استنتج العلماء وجود مقاومة للإجهاد المزمن غير المتوقع، وذلك بفضل عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF)، وهو بروتين بالغ الأهمية لبقاء الخلايا العصبية. لم يقتصر دور الدعم الاجتماعي لدى الفئران على تعزيز إنتاج هذا البروتين فحسب، بل ساهم أيضًا في تنظيم التعبير الجيني، بما في ذلك إنزيمات HDAC، الضرورية لاستعادة المرونة العصبية المتضررة بفعل الإجهاد.
مع ذلك، من الممكن حدوث تأثير معاكس. فقد وُضعت فئران سليمة في نفس بيئة الفئران التي تعاني من إجهاد مزمن. ومع مرور الوقت، انخفض إنتاج عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) لدى هذه الفئران، وظهرت السيتوكينات IL-1b – وهي مؤشرات للالتهاب، في الدم.
بالمناسبة، إذا ظهرت مؤشرات التهابية لدى فأر خلال تجربة أخرى، ثم وُضع الحيوان في مجموعة سليمة، فإن استجابته السلوكية للضغط النفسي تضعف، لكن لا يوجد انخفاض في مستويات السيتوكينات.
لخص العلماء كمية كبيرة من البيانات المتفرقة حول الكيمياء الحيوية للوحدة والدعم الاجتماعي لدى الفئران، مما قد يُسهم في البحث عن مؤشرات حيوية وأهداف لتشخيص وعلاج اضطراب ما بعد الصدمة لدى البشر. على سبيل المثال، في حالات إعادة التأهيل الصعبة، من الواعد اعتبار ديناميكيات عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) وإنزيم هيستون دي أسيتيلاز (HDAC) جزءًا من تقييم شامل لحالة المريض والعلاج العصبي أو الهرموني المحتمل، بدلاً من اعتبارها المعيار الوحيد لاختيار العلاج.
نُشرت هذه الدراسة في مجلة «علم وظائف الأعضاء والسلوك»، المصنفة ضمن الربع الثاني من المجلات العلمية الدولية في قاعدة بيانات سكوبس.



